المقريزي
174
المقفى الكبير
فلحقه وقال : الشريف معتذر . فقال : يدع حديثي ويقبل على الجمل الأجرب ؟ - فسمّي سابور « الجمل الأجرب » إلى أن مات . وبلغ المتنبّي أنّ سيبويه يقع فيه ، فمرّ به وهو على باب المسجد ، فقال وقد وقف عليه : أيّها الشيخ ، قد كنت أحبّ أن أراك . فقال : رعاك اللّه وأبقاك . فقال : بلغني أنّك أنكرت عليّ قولي [ الطويل ] : ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى * عدوّا له ما من صداقته بدّ فما كان الصواب عندك ؟ قال : العداوة ضدّ الصداقة ، ولكن لو قلت : ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى * عدوّا له ما من مداراته بدّ وهذا رجل منّا قد قال [ الوافر ] : أتاني في قميض اللاذ « 1 » يسعى * عدوّ لي يلقّب بالحبيب [ 159 ب ] فقال المتنبّي : مع هذا غيره ؟ قال : نعم : فقلت له : استعملت هذا * لقد أقبلت في زيّ عجيب « 2 » فقال : الشمس أهدت لي قميصا * مليح اللون من شفق الغروب فثوبي والمدام ولون خدّي * قريب من قريب من قريب فتبسّم المتنبّي وانصرف ، وسيبويه يصيح به . وكان يشبّه في حضور جوابه وخطابه وحسن عبارته وكثرة روايته بأبي العيناء . وكان قد تناول البلاذر فعرضت له منه لوثة . وكان أكثر الناس يتبعونه ويكتبون عنه ما يقول ، قال يوما : يا أهل مصر ، أصحابنا البغداديّون أحزم منكم ، لا يقولون بالولد حتى يتّخذوا له العقد والعدد ، فهم أبدا يعتزلون . ولا يقولون باتّخاذ العقار خوفا من أن يملكهم سوء الجوار ، فهم أبدا يكترون . ولا يقولون باتّخاذ المهائر « 3 » خوف أن تتوق أنفسهم إلى السراريّ ، فهم أبدا يتسرّرون . ولا يقولون بإظهار الغنى في مكان غرفوا فيه بالفقر ، فيهم أبدا يسافرون . ووقف يوما بالجامع ، وقد أخذت الحلق مأخذها ، فقال : يا أهل مصر ، حيطان المقابر أنفع منكم : يستند بها من التعب ، ويستدفأ بها من الريح ، ويستظلّ بها من الشمس . والبهائم خير منكم : تمتطى ظهورها ، وتحتذى جلودها ، وتؤكل لحومها . وكان الوزير أبو الفضل جعفر بن الفرات المعروف بابن حنزابة ربّما رفع أنفه تيها . فقال له سيبويه وقد رآه فعل ذلك : « أشمّ الوزير رائحة كريهة فشمر أنفه ؟ » فأطرق . وخرج سيبويه فقال له رجل : من أين أقبلت ؟ فقال : من عند الزاهي بنفسه ، المدلّ بعرسه - يعني أنّه متزوّج بابنة الإخشيد - المستطيل على أبناء جنسه . واستأذن على الشريف مسلّم فحجب عنه ، فقال : قولوا له : يرجع إلى لبس العبا ، ومصّ النوى ، وسكنى الفلا ، فهو أشبه [ به ] من نعيم
--> ( 1 ) اللاد جمع لاذة : وهو الثوب الأحمر من حرير . ( 2 ) الشطر الأوّل غير موزون وقراءتنا ظنيّة . ( 3 ) المهائر ج مهيرة : الحرّة من النساء ذات المهر الغالي .